عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
471
اللباب في علوم الكتاب
« مكة » بالأمن والتّوسعة بما يجلب إلى « مكة » فلم يصل إليه جبّار إلا قصمه اللّه - عز وجلّ - كما فعل بأصحاب الفيل . فصل في الرد على بعض الشّبهات فإن قيل : أليس أن الحجّاج حارب ابن الزبير ، وخرب الكعبة ، وقصد أهلها بكل سوء وتم له ذلك ؟ فالجواب « 1 » : لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها ، بل كان مقصوده شيئا آخر . فإن قيل : ما الفائدة في قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [ إبراهيم : 35 ] ، وقد أخبر اللّه - تعالى - قبل ذلك بقوله تعالى : « وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً » ؟ فالجواب من وجوه : أحدها : أن اللّه - تعالى - لما أخبره بأنه جعل البيت مثابة للناس وأمنا ، ووقع في خاطره أنه إنما جعل البيت وحده أمنا ، فطلب إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أن يكون الأمن بجميع البلد . وثانيها : أن يكون قوله تعالى : « وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ » بعد قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : « رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً » فيكون إجابة لدعائه ، وعلى هذا فيكون مقدما في التلاوة مؤخرا في الحكم . وثالثها : أن يكون المراد من الأمن المذكور في قوله تعالى : « وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً » هو الأمن من الأعداء والخيف والخسف والمسخ ، والمراد من الأمن في دعاء إبراهيم هو الأمن من القحط ، ولهذا قال : « وارزق أهله من الثّمرات » . فإن قيل : الأمن والخصب مما يتعلّق بمنافع الدنيا ، فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها ؟ فجوابه من وجوه : أحدها : أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين كان ذلك من أعظم أركان الدين ، وإذا كان البلد أمنا مخصبا تفرغ أهلها لطاعة اللّه - تعالى - وإذا كان ضد ذلك كانوا على ضد ذلك . وثانيها : أنه - تعالى - جعله مثابة للناس ، والناس إنما يمكنهم الذّهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة ، والأقوات هناك رخيصة .
--> ( 1 ) في أ : قلنا .